الشيخ الطبرسي
206
تفسير مجمع البيان
وقيل : يجوز أن يكون الصرع من فعل الشيطان في بعض الناس ، دون بعض ، عن أبي الهذيل ، وابن الأخشيد قالا : لأن الظاهر هن القرآن يشهد به ، وليس في العقل ما يمنع منه ، ولا يمنع الله تعالى الشيطان عنه امتحانا لبعض الناس ، وعقوبة لبعضهم على ذنب ألم به ولم يتب منه ، كما يتسلط بعض الناس على بعض فيظلمه ، ويأخذ ماله ، ولا يمنعه الله تعالى منه . ويكون هذا علامة لآكلي الربا يعرفون بها يوم القيامة ، كما أن على كل عاص من معصيته علامة تليق به ، فيعرف بها صاحبها ، وعلى كل مطيع من طاعته إمارة تليق به ، فيعرف بها صاحبها ، وذلك معنى قوله تعالى : ( فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ) . وقال النبي في شهداء أحد : " زملوهم بدمائهم وثيابهم " . وقال " عليه السلام " : " يبعث أمتي يوم القيامة من قبورهم غرا محجلين من آثار الوضوء " . وروي عنه " عليه السلام " أنه قال : لما أسري بي إلى السماء ، رأيت رجالا بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم ، فقلت : من هؤلاء يا جبرائيل ؟ قال : هؤلاء أكلة الربا . ورواه أصحابنا عن أبي عبد الله " عليه السلام " قال : قال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " : " لما أسري بي إلى السماء ، رأيت أقواما يريد أحدهم أن يقوم ، ولا يقدر عليه من عظم بطنه ، فقلت : من هؤلاء يا جبرائيل ؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ، وإذا هم بسبيل آل فرعون ، يعرضون على النار ، غدوا وعشيا ، يقولون : ربنا متى تقوم الساعة والوعيد " . في الآية متوجه إلى كل من أربى ، وإن لم يأكله ، ولكنه تعالى نبه بذكر الأكل على سائر وجوه الانتفاع بمال الربا . وإنما خص الأكل ، لأنه معظم المقاصد من المال . ونظيره قوله : ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) وقوله : ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ) الآية . والمراد بالأكل في الموضعين سائر وجوه الانتفاع دون حقيقة الأكل . ( ذلك ) أي ذلك العقاب لهم ( بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا ) معناه : بسبب قولهم إنما البيع الذي لا ربا فيه ، مثل البيع الذي فيه الربا ، قال ابن عباس : كان الرجل منهم إذا حل دينه على غريمه ، فطالبه به ، قال المطلوب منه له : زدني في الأجل ، وأزيدك في المال . فيتراضيان عليه ، ويعملان به . فإذا قيل لهم : هذا ربا ، قالوا : هما سواء . يعنون بذلك أن الزيادة في الثمن حال البيع ، والزيادة فيه بسبب الأجل عند محل الدين سواء . فذمهم الله به ، وألحق الوعيد بهم ، وخطأهم في ذلك بقوله : ( وأحل الله البيع وحرم الربا ) أي : أحل الله البيع الذي لا